أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

333

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : وَأَوْرَثْنَا . يتعدى لاثنين ، لأنه قبل النقل بالهمزة متعد لواحد ، نحو : ورثت أبي ، فبالنقل اكتسب آخر ، فأولهما : « الْقَوْمَ » و « الَّذِينَ » وصلته في محل نصب نعتا له . وأما المفعول الثاني ففيه ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه « مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا » ، وفي قوله : « الَّتِي بارَكْنا فِيها » على هذا وجهان : أحدهما : أنه نعت ل « مَشارِقَ ومغارب » . والثاني : أنه نعت للأرض ، وفيه ضعف من حيث الفصل بالمعطوف بين الصفة والموصوف ، وهو نظير قولك : قام غلام هند وزيد العاقلة . وقال أبو البقاء - هنا - : « وفيه ضعف ، لأن فيه العطف على الموصوف قبل الصفة » . وهذا سبق لسان ، أو قلم ، لأن العطف ليس على الموصوف ، بل على ما أضيف إلى الموصوف . الثاني - من الأوجه الثلاثة - : أن المفعول الثاني هو : « الَّتِي بارَكْنا فِيها » ، أي : أورثناهم الأرض التي باركنا فيها . وفي قوله تعالى : مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا وجهان : أحدهما : هو منصوب على الظرف ل « يُسْتَضْعَفُونَ » . والثاني : أن تقديره : يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها ، فلما حذف الحرف وصل الفعل بنفسه فنصب ، هكذا قال أبو البقاء . ولا أدري كيف يكونان وجهين ، فإن القول بالظرفية هو عين القول بكونه على تقدير « في » ، لأن كل ظرف مقدر ب « في » فكيف يجعل شيئا واحدا شيئين . الوجه الثالث : أن المفعول الثاني محذوف ، تقديره : أورثناهم الأرض ، أو الملك ، أو نحوه . و « يُسْتَضْعَفُونَ » يجوز أن يكون على بابه من الطلب ، أي : يطلب منهم الضعف مجازا ، وأن يكون استفعل بمعنى : وجده ذا كذا . والمراد بالأرض : أرض الشام ، وقيل : أرض مصر . وقرأ الحسن ، ورويت عن أبي عمرو وعاصم « كلمات » بالجمع . قال الزمخشري : « ونظيره لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى . يعني في كون الجمع وصف بمفرد » . قال الشيخ : « ولا يتعين في « الكبرى » ما ذكر ، لجواز أن يكون التقدير : لقد رأى الآية الكبرى ، فهي وصف مفرد ، لا جمع ، وهو أبلغ » . قلت : في بعض الأماكن يتعين ما ذكره الزمخشري ، نحو : مَآرِبُ أُخْرى ، وهذه ، فلذلك اختار فيها ما يتعين في غيرها . قوله : « بِما صَبَرُوا » متعلق ب « تَمَّتْ » ، والباء للسببية ، و « ما » مصدرية ، أي : بسبب صبرهم . ومتعلق الصبر محذوف ، أي : على أذى فرعون وقومه . قوله : وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ يجوز في هذه الآية أربعة أوجه : أحدها : أن يكون « فِرْعَوْنُ » اسم كان ، و « يَصْنَعُ » خبر مقدم ، والجملة الكونية صلة « ما » والعائد محذوف ، والتقدير : ودمرنا الذي كان فرعون يصنعه . واستضعف أبو البقاء هذا الوجه ، فقال : « لأن » يصنع يصلح أن يعمل في « فِرْعَوْنُ » ، فلا يقدر تأخيره ، كما لا يقدر تأخير الفعل في قولك : « قام زيد » . قلت : يعني أن قولك : قام زيد يجب أن يكون من باب الفعل والفاعل ، ولا يجوز أن يدعى فيه أن قام فعل وفاعل ، والجملة خبر مقدم ، وزيد مبتدأ مؤخر ، لأجل اللبس بباب الفاعل ، فكذا هنا ، لأن « يَصْنَعُ » يصح أن يتسلط على « فِرْعَوْنُ » فيرفعه فاعلا ، فلا يدعى فيه